السيد حيدر الآملي

117

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

إحداهما الأخرى بالفرد الواحد الَّذي يتكرّر فيهما وهو الرّابط ، وهو النّكاح ، والنّتيجة الَّتي تصدر بينهما هي المطلوبة ، والأرواح كلَّها آباء والطَّبيعة أمّ لما كانت محل الاستحالات ، وبتوجّه هذه الأرواح على هذه الأركان الَّتي هي العناصر القابلة للتغير والاستحالة تظهر فيها المولَّدات وهي المعادن والنّبات والحيوان والجانّ ، والإنسان أكملها . ( الإسلام أكمل الشرائع ) وكذلك جاء شرعنا أكمل الشرائع ، حيث جرى مجرى الحقائق الكلَّيّة ، فأوتي جوامع الكلم ( 52 ) ، واقتصر على أربع نسوة وحرّم ما زاد على ذلك بطريق النكاح الموقوف على العقد ( 53 ) فلم يدخل في ذلك ملك اليمين ، وأباح ملك اليمين في مقابلة

--> ( 52 ) قوله : فأوتي جوامع الكلم . راجع التعليقة رقم 21 . ( 53 ) قوله : الموقوف على العقد . أقول : يلزم أن يقيّد ( العقد ) بالدوام ، يعني حرمة النكاح زايدا على أربع نسوة في الشرع مبنيّ على العقد الدائم ، وأمّا على سبيل الزّواج الموقّت المعبّر عنه بالمتعة فجائز مشروع بلا شكّ ، وهذا ثابت بالكتاب والسنّة . وأكثر أحكام الزواج الموقّت هي نفس أحكام النكاح الدائم بالنّسبة إلى الزوجين ، والعدّة والأولاد ، إلَّا أنّ فيه أحكاما خاصّة بالنسبة إلى النفقة والإرث والاستمتاع ، وقدر الاستمتاع مبيّنان على توافقهما في العقد . فالزواج الموقّت عقد زواج بين الرّجل والمرأة بمهر معيّن إلى أجل معيّن وبحول الأجل أو بهبة الزّوج المدّة الباقية للزوجة تنحلّ العقد وتنفسخ النكاح ، وهذان فيه بمنزلة الطلاق في الزواج الدائم . ويجب فيه أن تتوفّر جميع الشرائط الشرعيّة في الزواج الدائم مع فقدان جميع الموانع الشرعيّة في الدائم من النسب والسبب ، والرضاع ، والإحصان ، والعدّة ، وغير ذلك من الأحكام والشرائط والموانع المذكورة في الكتاب الفقهيّة . ولا بأس بذكر بعض ما قال به العالمين : العلَّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائي في تفسيره القيّم « الميزان » في تفسير سورة النساء ج 4 ، وفي سورة المؤمنون ج 15 . والعلَّامة الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء في كتابه المبارك « أصل الشيعة وأصولها » . قال العلَّامة الطباطبائي في تفسير قوله تعالى : * ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِه ِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ . . . ) * [ سورة النساء : 24 ] . في الميزان ج 4 ، ص 271 : « والمراد بالاستمتاع المذكور في الآية المتعة بلا شكّ ، فإنّ الآية مدنيّة نازلة في سورة النساء في الأوّل من عهد النبيّ ( ص ) بعد الهجرة على ما يشهد به معظم آياتها ، وهذا النكاح أعني نكاح المتعة كانت دائرة بينهم معمولة عندهم في هذه البرهة من الزمان من غير شكّ - وقد أطبقت الأخبار على تسلم ذلك - سواء كان الإسلام هو المشرع لذلك أو لم يكن فأصل وجوده بينهم بمرئى من النّبي ومسمع منه لا شكّ فيه ، وكان اسمه هذا الاسم ولا يعبر عنه إلَّا بهذا اللفظ فلا مناص من كون قوله : * ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِه ِ مِنْهُنَّ ) * محمولا عليه مفهوما منه هذا المعنى كما أن سائر السنن والعادات والرسوم الدائرة بينهم في عهد النزول بأسمائها المعروفة المعهودة كلما نزلت آية متعرضة لحكم متعلَّق بشيء من تلك الأسماء بإمضاء أو رد أوامر ونهي لم يكن يد من حمل الأسماء الواردة فيها على معانيها المسماة بها من غير أن تحمل على معانيها اللغوية الأصلية . وقال خلال بحثه الروائي « بحث آخر روائي » ج 4 ، ص 298 ، بعد ذكر بعض الروايات : هذه عدّة من الروايات الواردة في أمر متعة النساء ، والناظر المتأمل الباحث يرى ما فيها ( أي في الروايات في الروايات الواردة حول متعة النساء ) من التباين والتضارب ، ولا يتحصّل للباحث في مضامينها غير أنّ عمر بن الخطاب أيّام خلافته حرّمها ونهى عنها لرأي رآه في قصص عمرو بن حريث ، وربيعة ابن أميّة بن خلف الجمحي ، وأمّا حديث النسخ بالكتاب أو السنّة فقد عرفت عدم رجوعهما إلى محصّل ، على أنّ بعض الروايات يدفع البعض في جميع مضامينها إلَّا في أنّ عمر بن الخطاب هو الناهي عنها المجري للمنع ، المقرّر حرمة العمل ، وحدّ الرجم لمن فعل - هذا أوّلا - . وأنّها كانت سنة معمولا بها في زمن النّبيّ في الجملة بتجويز منه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : إمّا إمضاء وإمّا تأسيسا ، وقد عمل بها من أصحابه من لا يتوهّم في حقّه السفاح كجابر بن عبد اللَّه ، وعبد اللَّه بن مسعود ، والزّبير بن العوام ، وأسماء بنت أبي بكر ، وقد ولدت بها عبد اللَّه بن الزبير - هذا ثانيا - . وأنّ في الصّحابة والتابعين من كان يرى إباحتها كابن مسعود وجابر وعمرو بن حريث وغيرهم ، ومجاهد والسدي وسعيد بن جبير وغيرهم - وهذا ثالثا - . وهذا الاختلاف الفاحش بين الروايات هو المفضي للعلماء من الجمهور بعد الخلاف فيها من حيث أصل الجواز والحرمة أوّلا ، إلى الخلاف في نحو حرمتها وكيفيّة منعها ثانيا ، وذهابهم فيها إلى أقوال مختلفة عجيبة ربّما أنهي إلى خمسة عشر قولا » . ( انتهى كلام العلَّامة الطباطبائي ) . وقال العلَّامة الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء قدس سرّه في كتابه « أصل الشيعة وأصولها » ص 196 تحت العنوان : ( زواج المتعة ) : إنّ من ضروريّات مذهب الإسلام الَّتي لا ينكرها من له أدنى إلمام بشرائع هذا الدين الحنيف - أنّ المتعة - بمعنى العقد إلى أجل مسمّى ، وقد شرعها رسول اللَّه ( ص ) وأباحها وعمل بها جماعة من الصحابة في حياته ، بل وبعد وفاته ، وقد اتّفق المفسّرون أنّ جماعة من عظماء الصحابة ، كعبد اللَّه بن عباس ، وجابر بن عبد اللَّه الأنصاري ، وعمران بن الحصين ، وابن مسعود ، وأبيّ بن كعب وغيرهم ، كانوا يفتون بإباحتها ويقرؤن الآية المتقدّمة هكذا : « فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى » . وممّا ينبغي القطع به أن ليس مرادهم التحريف في كتابه جلّ شأنه والنقص منه ( معاذ اللَّه ) بل المراد بيان معنى الآية على نحو التفسير الَّذي أخذوه من الصادع بالوحي ومن أنزل عليه ذلك الكتاب الَّذي لا ريب فيه » . وإن شئت الاطلاع أكثر من هذا فراجع « تفسير الميزان » ج 15 ، ص 12 من طبع البيروت - سورة المؤمنون الآية 5 في بحثه الروائي ، وأيضا كتاب « أصل الشيعة وأصولها ص 196 العنوان : الزواج المتعة . وأيضا راجع الأحاديث الواردة عن طريق أهل البيت عليهم السّلام في الزواج المؤقّت ( المتعة ) : ( بحار الأنوار ) ج 103 ، ص 312 ، و ( الوسائل الشيعة ) ج 14 ، كتاب النكاح ، أبواب المتعة ، وجامع أحاديث الشيعة ج 21 ، ص 1 .